Tuesday, May 26, 2020

نظرة إلى الخلف

الجزء الأول :
في هذه الحياة , نتعرض للعديد من المواقف , و الحوادث و نصادف أناس و أشياءا , سواءا بفضل إرادتنا أو خارجها , و تتعلق  جوارحنا , ببعض هذه الكائنات , و أكثر من نتعلق به هم ذواتنا , أحلامنا , ذكراياتنا .
إن هذه الحياة, و هذه الذكريات كلها مثل أشرطة أفلام عتيقة , تعز علينا و نصونها و نحفظها في ذاكرتنا , و عندما نجد أنفسنا في زقاق مظلم , و ليلة ممطرة , و شعور مضمر , نسترجع هذه الأفلام , ونشاهدها مع أمل العودة إلى أزقة مشرقة , و ليالي دافئة و أحاسيس حاضرة , نتمنى, ونحن نتذكر هذه الأحلام الجميلة التي كانت يوما واقعنا , كمن يتأسف على غروب الشمس مرتعشا من برودة البحر , أو من يركب السفينة في رحلة شاقة إلى المجهول , مغامرة خطرة , لكن لا خيار لدينا , و نتساءل أحيانا لما لم نبقي في هذه الوضعية ؟ لما علينا دوما التحرك و المضي قدما , لماذا علينا أن نتقدم في العمر , و أن تنزل دموعنا على ابتسامات كانت عريضة يوما ؟ لما تتخدر قلوبنا من حين لآخر و يضعف بصرنا ؟ لما كلما تقدمنا في الحياة اقتربنا من حواف الموت العديدة ؟ و خضعنا أكثر لأكاذيب عالم يطارد الشهوة و يطردنا من مواضع راحتنا ؟ أهي رحلة اخترناها ؟ أم الرحلة هي التي اختارتنا ؟ كثيرة هي الأحلام و علامات الإستفهام , و غزيرة هي الدموع و عميقة هي الآلام , ولكن ما الجدوى ؟ أ لا راحة دائما ؟ أ لا يوجد جواب يسد جوع كل الأسئلة ؟ و يشل كل أعصاب التفكير , ويرجعنا إلى توازننا ؟
ربما كثرت علينا علامات الاستفهام حتى لم يعد قارئنا يحس بالاستقرار أيضا مع قراءته لهذا النص , ربما طرحت الحروف الأخيرة علامة استفهام أخرى ولكننا متأكدين بأن ما سيتبعها من السطور سيكون كفيلا بأن يعيد عقولنا إلى استفهامات أكثر واقعية و أقرب للإجابة من غيرها .
فلنأخذ الكاتب مثلا , و قس عليه كل الشباب المغربي و العربي و الإسلامي و العالمي في هذا العقد من الزمان , و في هذا الاحتمال من المكان , دولة من أعتى الدول ينتشر بها فيروس سريع الإنتشار و يغزو العالم كله , و يمنع الكاتب و زملاؤه من الدراسة بعد ليال من الاستعداد للامتحان , ودراهم للابتعاد عن الجوع و الإهمال و التوتر النفسي و الجسدي , عينان مرهقتان ترتقبان شاشة الهاتف بعد أن أوشى بالفيروس و أعلن وصوله إلى الأراضي الإقليمية , وهنا نرى قرارا يخص التعليم و الذي يرفع مبيعات شركات المواصلات , و يطرد الطلاب من أقسامهم , أغلبهم فرح لنجاة الإمتحان منهم , و آخرون يشتكون من القرار الذي فاجأهم و خذل وعود الإنتهاء من الإمتحان و الحصول على قسط من الراحة , عودة سريعة , فرحة اللقاء بالأسرة و استنشاق هواء الموطن, عناق الأحبة و المشي على تراب الطفولة , رغم الإرهاق و التعب , تطئ رجلاه البيت وهو غير مصدق بما يعيشه , غير واعي بما يحسه , و اختلطت دموع الفرح بالحزن و الخوف من القادم , دموع غير مرأية و لا متوقعة , صادمة , كما كان أثر الخبر.
ويبدأ البلد بالغروب , تقفل المتاجر و تنطفؤ الأضواء , تنسدل ستائر المقاهي و ينشق سكون الليل بصفارات الإنذار , أنتم محاصرون أيها المواطنون , و يبدأ الإنزال , و تنتشر قوات الأمن في كل شبر من المدينة , أعين فقيرة شاردة , تسعى دراهم معدودة لسد جوعها في ليلة من ليالي نيسان , ليالي للنسيان , ليالي من الحرمان , في صمت حزين و ارتقاب لحصيلة يومية , أرقام تقلب حياة دول بأكملها رهاب يلاحق كل من يملك قدمين 

Thursday, May 7, 2020

كتابة عنك

كتابة عنك

أول السطور كتبتها معك , و عنك , ولم أكن أتخيل أبدا أن أكتب من دونك , لم أكن أعرف ما يجعلني أكتب , و لازلت لا أعرف , إعتقدت لوهلة أنه أنت , و اجتهدت لأعبر عن ذاتي , و عنك , ولكن , وبعدما فرقت بيننا الدنيا , أعتقد أنني كنت مخظئا في تصوري , و قررت أن أصحح خطأي , و أكتب , و لأول مرة عنك .
لم تكن الأيام قد انتهت بعد , و كانت الرياح المسالمة تحيط بنا من كل جانب , لم يكن قلبي يشك في إخلاصك و مودتك , وكنت كذلك مخلصا , كانت أناملي تنجذب إلى لوحة المفاتيح كلما اكتشفت عنك شيئا جديدا , حتى أصبحتي ملفا نصيا في حاسوبي , وكان هو الآخر يحن إلي عندما أغيب , كما تتصلين لتطمأني عن حالتي , أو كما كنت تزورينني , أنا ووحدتي و مناظر الجبال التي لا تمنح السماء فرصة أمام جمالها , و تجعلك تحدثها عوض الحديث مع الناس , ولكن عندما كنت تحضرين تذهب الوحدة و يحضر الفرح و السرور , و كانت تسريحة شعرك و عيناك البريئتان ووجهك الخالص يحدثانني عن مدى إهتمامك بحالتي , أما أنا فكنت لا أرضى الإستماع سوى لحديثك و صمتك العميق , صوتك الجميل كهديل الجدول , و تلك الخدود المنتفخة كالسحاب أو حلوى غزل البنات , كنت أنبهر بذلك المشهد , و أفتقد وحدتي و راحتي , ولا أحتمل التواضع و الخضوع لسحرك , ولكن لا أقوى على ذلك فأنظر إلى السماء و أتمنى أن نجتمع معا و نناقش أسرار هذا السحر مع كوب شاي , كانت تتوقف خطوات الأستاذ نحو القاعة , و تتوقف دموع السحاب إن كانت تنوي الهطول , و تطل الشمس و لو كادت أن تغيب , و تعمى بصائر الناس ولو أرادت أن ترى , من يحادث من لا حديث له , من يتواضع للمتكبر , من يبسط ذراعه للمعقد , إنه أنت .
لم تكن الأيام سهلة علي أبدا عندما فارقتنا أيام الصيف , و حرارة الشمس , و عزلة الحياة , ولكن لم تركنني , ولم تتخلي عني , كانت الرسائل تهطل علي في منتصف شهر غشت , و تعاتبني في ليالي السمر في يوليوز, و كانت عيناي لا ترمشان عندما أقرأ كي لا تنقطع الكلمات , حتى تنتهي الرسالة . 
ستكتبك النصوص , وتحكيك القصة , وتضحك منك عبر الحياة , وتسخر منك أيام الشتاء البارد , تسرقك الذكريات ..ولكن لن ينساك القلب .
كي لا أطيل , ولربما قد أكون فعلت , ولكن ليس باليد حيلة , وداع أخير سيكون دائما إسمك , لأنه لا وداع بعد الوداع , و لا ضياع بعد الحب , ولا دموع بعد الفراق , و لا ابتسامات خالصة إلا بعد النسيان و الإهمال , وهذا النص كله , و الحروف كلها ما هي إلا كتابة عنك .