Thursday, March 26, 2020

إنسان

إنسان

 بالطبع ,ليس الكل عاش طفولة يحن إليها من وقت لآخر لكن تبقى هناك لحظات و أحاسيس لا تنسى ربما هي تلك الابتسامات الداخلية , أو البراءة , أو حتى ضحكات صافية كصفاء القلب , وصدق اللسان ,لاندرك أهميتها حتى تمضي وتترك داخلنا تمزقات عاطفية ترفعنا إلى مستويات أخرى من الوعي , أو تنزلنا إلى تراهات مراهقاتية .
أستيقظت في ليلة على ذكرى من ذكرياتي الوردية , و قلت في نفسي إلى أي مدى هذه الذكرى قوية حتى توقظ هذا الجسد المنهك من عمل اليوم و هذا العقل المنشغل بهموم الغد , نظرت إلى ابتسامتي المتتالية إلى المرآة و تذكرت لأول مرة نفسي , نعم تنسينا الأيام أنفسنا , و مشاعرنا , و من نحب , ولا ترمي بأعيننا إلى على ما يتنافس عليه الغالبية من مال و سلطة , و في عمق هذا النداء الإنساني بداخلي , نظرت عيناي في عقربي الساعة اللذان يلسعان هذه العاطفة ويخدرانها تحت مفعول إقتراب وقت الاستيقاظ و الذهاب إلى العمل .
صعقني الواقع بتوتره , وعدت من مخيلتي حافي القدمين أبحث عن كسرة خبز بعد أن سد الجوع تفكيري , تناولت الكسرة و كسرت الطريق إلى العمل , ينسانا الوقت ونحن نعمل كما ننساه و نحن نتسلى , ويبدأ الكسالى منا بالإتكال على بعضهم حتى تنهار قوى المجدين و تنتهي ساعات العمل كأنها أيام مضت منذ أن فارقنا أنفسنا , نخلع الثياب , بل هي التي تخلعنا و نعود إلى جلودنا , نتناول كسرة الخبز و تنصرف أجسادنا لتدع للمخيلة فسحة مرة أخرى , و تلعب العاطفة كل ليلة لعبتها لتصطادنا الأحلام وتعبئنا بالطاقة من جديد , و أنا أفكر , مالذي افتقدته من طفولتي ؟ أدمعتي الصادقة عندما كنت أشعر بالحزن , التي استبدلتها بضحكة صفراء فاقعة أمام الأصدقاء ,أم تلك القهقهات العالية التي أطلقها عندما أحس بالفرح عند عودة أبي من عمله , و ابتسامة أمي ,تلك الحيوية التي أفتقدها , تلك العفوية , نعم , لقد افتقدت نفسي , فهل ياترى أعود إليها ؟
أكتب ذلك كله على سبورة مهترأة أمام كل المسؤوليات التي تنتظرني أن ألبيها , أمام رأساء الشركات و أرباب العمل , أمام أصحاب النفوذ و النقود , وتنهمر الدموع المرهقة , و أطرد من القاعة لأنني لست واقعيا , لست مثاليا , ولست ذو شأن حتى أكتب , بل فقط عامل إفتقد نفسه .ينظر إلي المارة باستغراب و سخرية و أنا الذي أسخر منهم , كيف أعمتهم أنفسهم بالنقياد تحت تعليمات آلات معطلة , و أدمغة مقلوبة لا تكترث للأنسان تحت ثياب العمل , وكل ما تحاوله النفس جاهدة هو محاربة الملل و الكلل , لتعود الطاحونة الإقتصادية إلى العمل صباحا , تطحن فينا إنسانينا و تطحن لهم ثروتهم .